العقل اليمني سريع النسيان: شاهد الجريمة التي هي أم الجرائم كلها.

لماذا نتعاطف مع جريمة فردية وننسى الكارثة التي أنتجتها؟ تحليل لظاهرة الذاكرة الانتقائية.

علم النفس الاجتماعي والسياسة

صورة رمزية تعبر عن الذاكرة المجتمعية المثقوبة في اليمن، حيث تظهر جريمة الأغبري بوضوح بينما تتلاشى صورة انهيار الدولة في الخلفية

ضجت وسائل التواصل الاجتماعي، اهتزت الضمائر، وتدفقت المنشورات المنددة. كانت جريمة مقتل الشاب **عبدالله الأغبري** تحت وطأة تعذيب وحشي ومصور، هي حديث الساعة الذي وحد اليمنيين على اختلافهم في شعور واحد: الصدمة والغضب. لكن في خضم هذا الطوفان من التفاعل المشروع، يبرز سؤال أكثر إيلاماً وعمقاً: لماذا نملك ذاكرة قوية للجرائم الفردية المصورة، وذاكرة مثقوبة عندما يتعلق الأمر بـ **"أم الجرائم"** التي أنتجتها؟

إنها ظاهرة تستحق التحليل. فالعقل اليمني، كغيره من العقول التي تعيش تحت ضغط الصدمات المتتالية، يبدو أنه يميل إلى التركيز على المأساة الأحدث والأكثر وضوحاً، بينما يطوي في صفحات النسيان الكارثة الجذرية التي جعلت من هذه الفواجع أمراً شبه حتمي: جريمة انهيار الدولة ومؤسساتها.

صورة رمزية تعبر عن الذاكرة المجتمعية المثقوبة في اليمن، حيث تظهر جريمة الأغبري بوضوح بينما تتلاشى صورة انهيار الدولة في الخلفية

ست ساعات مقابل سنوات: مفارقة الذاكرة

لقد شاهد العالم ست ساعات من التعذيب الوحشي الذي تعرض له عبدالله الأغبري، وهي ساعات طويلة ومؤلمة بكل المقاييس. لكن المفارقة تكمن في أن هذه الساعات الست تقابلها سنوات طويلة من التعذيب المنهجي الذي يتعرض له شعب بأكمله، ولكن بعيداً عن عدسات الكاميرا. إنه تعذيب من نوع آخر: في غياب الأمن، في انهيار الاقتصاد، في فساد المؤسسات، وفي السجون المظلمة التي تخفي قصصاً قد تفوق بشاعة ما رأيناه في قضية الأغبري.

الجريمة المصورة هي العرض، أما انهيار الدولة فهو المرض. والمجتمعات التي تركز على علاج الأعراض فقط، محكوم عليها بالبقاء مريضة.

هنا يكمن الخلل في ذاكرتنا الجماعية. نحن نتفاعل بقوة مع الصورة، مع الفيديو، مع القصة الفردية التي تلامس إنسانيتنا بشكل مباشر. هذا أمر طبيعي ومفهوم. لكن الخطورة تكمن في أن هذا التفاعل اللحظي يستهلك كل طاقة الغضب والرفض لدينا، فلا يتبقى منها شيء لمواجهة السبب الجذري الذي سمح لهذه الجريمة بالحدوث في المقام الأول.

لماذا ننسى "أم الجرائم"؟

هناك عدة أسباب نفسية واجتماعية تفسر هذه الذاكرة الانتقائية:

  • بساطة القصة الفردية: قصة الأغبري واضحة المعالم: ضحية بريئة وجناة مجرمون. من السهل فهمها والتعاطف معها. أما قصة "انهيار الدولة" فهي معقدة، متشابكة، وأطرافها كثر، مما يجعل من الصعب على العقل البشري استيعابها ككتلة واحدة.
  • تأثير الصدمة البصرية: قوة الفيديو والصورة تفوق آلاف الكلمات. ما رأيناه بأعيننا في قضية الأغبري يترك أثراً عاطفياً لا يمكن إنكاره، بينما معاناة الملايين بسبب غياب الدولة هي معاناة صامتة وغير مرئية في الغالب.
  • الإرهاق النفسي: العيش في ظل أزمة ممتدة لسنوات يسبب حالة من "الإرهاق التعاطفي". يصبح العقل غير قادر على التفاعل مع الكارثة الكبرى بشكل مستمر، فيلجأ إلى التركيز على المآسي الأصغر والأحدث كمتنفس مؤقت لمشاعر الغضب والعجز.

خاتمة: نحو ذاكرة أكثر عدلاً

إن تذكر جريمة عبدالله الأغبري والمطالبة بالعدالة له هو واجب إنساني وأخلاقي. لكن الواجب الأكبر هو ألا نسمح لهذه الجريمة بأن تكون مجرد محطة عابرة في ذاكرتنا. يجب أن تكون هذه القضية هي العدسة التي نرى من خلالها الصورة الأكبر: أن كل جريمة بشعة تحدث في الشارع هي نتيجة مباشرة للجريمة الأم التي حدثت في قمة هرم السلطة. إن ربط السبب بالنتيجة، والجريمة الفردية بالكارثة الجماعية، هو الخطوة الأولى نحو بناء ذاكرة مجتمعية أكثر وعياً وعدلاً، ذاكرة لا تنسى أن العدالة الحقيقية تبدأ من استعادة الدولة، وليس فقط من معاقبة أفراد هم في النهاية مجرد أعراض للمرض الأكبر.

صورة رمزية تعبر عن الذاكرة المجتمعية المثقوبة في اليمن، حيث تظهر جريمة الأغبري بوضوح بينما تتلاشى صورة انهيار الدولة في الخلفية

المراجع

  • "The Psychology of Collective Memory" - دراسات في علم النفس الاجتماعي حول كيفية تشكل الذاكرة الجماعية وتأثرها بالأحداث السياسية.
  • "State Failure and Social Breakdown" - أبحاث في العلوم السياسية تحلل العلاقة بين انهيار مؤسسات الدولة وتصاعد العنف المجتمعي.
  • تحليلات إعلامية وسياسية تناولت الأبعاد الاجتماعية لجريمة مقتل عبدالله الأغبري.
  • تقارير حقوقية عن حالة حقوق الإنسان وأنماط العنف في اليمن.
اقرأ المزيد »

للاطلاع على قائمة كاملة من المقالات يرجى زيارة: أضغط 👇
[ قسم مساحات متنوعة ]

للحصول على المزيد راجع قسم [مواضيع عامة].

للاشتراك والحصول على كل جديد وحصري، فضلاً تابع المدونة من خلال الضغط على زر "متابعة" الموجود أعلى الصفحة.

متابعة

✍️ بقلم: فريق تحرير مدونة خبير مسرح الجريمة