📄 إشكالية التعامل مع تقارير الخبرة الفنية الجنائية وأثرها على أداء الخبراء الجنائيين
قراءة قانونية ومهنية في واقع العلاقة بين جهة التحقيق والخبرة الفنية
كيف أثّرت بعض ممارسات التحقيق على أداء الخبراء الجنائيين وثقة الجهات الفنية بالبيئة العدلية؟
إن العدالة الجنائية الحديثة تقوم على التكامل بين سلطات التحقيق والجهات الفنية المتخصصة، باعتبار أن الخبير الجنائي يُعد أحد أهم مساعدي العدالة، ودوره لا يقتصر على نقل المشاهدات، بل يمتد إلى تحليل الآثار المادية وتفسيرها علمياً بما يساعد جهة التحقيق والمحكمة على الوصول إلى الحقيقة الموضوعية.
غير أن الواقع العملي في بعض القضايا كشف عن وجود إشكالية خطيرة في طريقة تعامل بعض قضاة التحقيق مع تقارير المعاينة والخبرة الفنية، الأمر الذي انعكس سلباً على أداء الخبراء الجنائيين وأحدث حالة من الإحباط وفقدان الثقة في البيئة العدلية المفترض أنها الحاضنة الطبيعية للعمل الفني الجنائي.
أولاً: تحوّل الخبير الجنائي من مساعد للعدالة إلى “خصم” في الدعوى
الأصل أن الخبير الجنائي يؤدي واجباً فنياً محايداً، ويُفترض أن يُعامل باعتباره جهة علمية مستقلة لا علاقة لها بمصالح الخصوم أو اتجاهات الاتهام والدفاع.
إلا أن بعض الممارسات العملية أوجدت واقعاً مغايراً، تمثّل في:
- التعامل مع تقرير الخبرة الفنية وكأنه عقبة يجب تجاوزها.
- محاولة تفنيد التقرير وإضعافه بأي وسيلة.
- تصوير الخبير الجنائي كطرف منحاز أو خصم لأحد الأطراف.
- فتح المجال للخصوم لمهاجمة الخبير شخصياً بدلاً من مناقشة التقرير علمياً.
- التماهي أحياناً مع الطعون غير الفنية الموجهة ضد الخبراء.
- تحويل الخبير من “مساعد للعدالة” إلى شخص يُعامل وكأنه متهم يجب محاكمته بسبب النتائج التي توصل إليها.
وقد أدى ذلك إلى خلق بيئة عدائية تجاه الخبراء الجنائيين، انعكست بصورة مباشرة على طبيعة العمل الفني ومستوى الثقة بين جهات التحقيق وجهات الخبرة.
ثانياً: خطورة إضعاف تقرير المعاينة والخبرة الفنية
إن السعي لإضعاف تقرير المعاينة والخبرة الفنية دون وجود مبررات علمية حقيقية لا يضر الخبير وحده، بل ينعكس سلباً على العدالة الجنائية بأكملها.
ففي القضايا الغامضة وغير المشهودة، كحوادث الانتحار داخل الغرف المغلقة، تُعد الأدلة الفنية والآثار المادية الوسيلة الأساسية ـ وأحياناً الوحيدة ـ لكشف الحقيقة.
- إغفال الدليل العلمي.
- ترجيح قرائن ظنية ضعيفة.
- الاعتماد على الانطباعات الشخصية.
- المعلومات غير الرسمية الواردة من أحد الخصوم.
فإن ذلك قد يؤدي إلى تشويه الحقيقة الجنائية وإضعاف قيمة العلوم الجنائية الحديثة في الإثبات.
ثالثاً: الآثار النفسية والمهنية على الخبراء الجنائيين
أدت هذه الممارسات إلى نشوء حالة من الإحباط والخذلان لدى كثير من الخبراء الجنائيين، لأنهم وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع جهة يفترض أن تكون داعمة ومحايدة.
- أي استنتاج فني قد يتحول إلى سبب للمساءلة.
- وأي رأي علمي قد يُفسر كاتهام شخصي لأحد الأطراف.
- وأن نجاح التقرير في كشف الحقيقة قد يجعله هدفاً للهجوم والطعن الشخصي.
وقد انعكس ذلك على الحافز المهني لدى بعض الخبراء، وأصبح هناك عزوف تدريجي عن إعداد تقارير تفصيلية دقيقة تتضمن تحليلات واستنتاجات موسعة.
رابعاً: ظهور منهجية “التقريرين” في القضية الواحدة
نتيجة لهذه الإشكالات، اتجه بعض الخبراء الجنائيين عملياً إلى تبني أسلوب جديد يتمثل في إعداد تقريرين منفصلين في القضية الواحدة.
1- التقرير الأول: التقرير الإيضاحي الأولي
- وصفاً عاماً للحادثة.
- المعاينة الأولية.
- التوثيق المرئي.
- الصور الفوتوغرافية لمسرح الحادثة والجثة والآثار.
- معلومات فنية أساسية دون توسع في التحليل والاستنتاج.
2- التقرير الثاني: تقرير المعاينة والخبرة الفنية المتكامل
- التحليل العلمي الدقيق.
- الاستنتاجات الفنية.
- تحديد آلية الحادثة.
- بيان مسار الإطلاق واتجاهه ومسافته.
- تحليل الآثار المادية.
- تفسير المؤشرات الجنائية.
- الربط بين الأدلة والنتائج.
خامساً: الأسباب التي دفعت الخبراء الجنائيين إلى اعتماد نظام “التقريرين”
- السعي لحماية التقارير الفنية من محاولات التشويه أو الاجتزاء.
- تجنب تحويل الخبير الجنائي إلى خصم مباشر أثناء مرحلة التحقيق.
- الحد من استغلال الاستنتاجات الفنية خارج سياقها العلمي.
- تجنب الدخول في صدامات شخصية مع بعض جهات التحقيق.
- الحفاظ على حياد الخبير واستقلاله الفني.
- منع استخدام التقرير الفني كوسيلة للضغط على الخبير أو التشكيك في نزاهته.
- الخوف من تحميل الخبير مسؤولية قانونية أو إعلامية بسبب آرائه الفنية.
- إعطاء المحكمة الفرصة للاطلاع على التقرير الفني الكامل بصورة مباشرة.
- الحفاظ على جودة العمل الفني وعدم اختزاله في سجالات جدلية أثناء التحقيق.
سادساً: الوضع القانوني لهذه المنهجية في ضوء التشريع اليمني
لا يوجد ـ بحسب النصوص المعروفة في قانون الإجراءات الجزائية اليمني ـ نص صريح يمنع الخبير من إعداد تقرير أولي أو إيضاحي يعقبه تقرير فني تفصيلي لاحق.
كما أن القانون يجيز من حيث المبدأ:
- استكمال أعمال الخبرة.
- إرفاق تقارير إضافية.
- طلب الإيضاحات الفنية.
- تقديم تقارير تكميلية.
سابعاً: حدود سلطة قاضي التحقيق تجاه تقرير الخبرة
رغم أن المشرع اليمني يمنح قاضي التحقيق سلطة تقدير الأدلة، إلا أن هذه السلطة لا تعني:
- حق إهدار الأدلة العلمية دون مبرر.
- السعي لإبطال تقرير الخبرة بأي وسيلة.
- التعامل مع الخبير باعتباره خصماً.
- بناء القناعة على معلومات غير رسمية أو قرائن ضعيفة.
خلاصة
إن العلاقة بين قاضي التحقيق والخبير الجنائي يجب أن تقوم على التكامل لا التصادم، وعلى احترام التخصص العلمي لا محاولة تقويضه.
فالخبير الجنائي ليس خصماً في الدعوى، وإنما هو عين فنية محايدة تساعد العدالة على كشف الحقيقة من خلال قراءة الآثار المادية وتحليلها وفق قواعد العلم.
وأي ممارسات تؤدي إلى إضعاف الثقة بالخبرة الفنية أو دفع الخبراء إلى العزوف عن تقديم تقارير دقيقة ومتكاملة، تمثل خطراً حقيقياً على العدالة الجنائية.
📚 تابع المزيد من الدراسات والتحليلات الجنائية
للاطلاع على المزيد في هذا السياق، يرجى الضغط على الزر التالي للانتقال وقراءة المقال السابق 👇
⬅️ قراءة المقال السابقللحصول على قائمة كاملة بالمقالات والدراسات المتخصصة، يرجى زيارة قسم الدراسات الجنائية والقانونية.
📂 قسم الدراسات الجنائيةللاشتراك ومتابعة كل جديد فور نشره، اضغط على زر متابعة المدونة أدناه 👇
🔔 متابعة المدونة